أحمد بن محمد القسطلاني

266

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

والفرات ) يخرجان من أصلها ثم يسيران حيث شاء الله ثم يخرجان من الأرض ويجريان فيها . ( ثم فرضت عليّ خسون صلاة . فأقبلت حتى جئت موسى . فقال : ما صنعت ؟ قلت : فرضت عليّ خمسون صلاة . قال : أنا أعلم بالناس منك عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ) . قال التوربشتي : أي مارستهم ولقيت الشدة فيما يردت منهم من الطاعة والمعالجة مثل المزاولة والمحاولة ، ( وإن أمتك لا تطيق ) ذلك ولم يقل إنك وأمتك لا يطيقون لأن العجز مقصور على الأمة لا يتعداهم إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهو لما رزقه الله من الكمال يطيق أكثر من ذلك ، وكيف لا وقد جعلت قرة عينه في الصلاة ( فارجع إلى ربك ) أي إلى الموضع الذي ناجيت فيه ربك ( فسله ) أي التخفيف ( فرجعت فسألته ) أي التخفيف ( فجعلها أربعين ) أي صلاة ( ثم ) قال موسى ( مثله ) أي ما تقدم من المراجعة وسؤال التخفيف ( ثم ) جعلها الله تعالى ( ثلاثين ) صلاة ( ثم ) قال موسى أيضًا ( مثله فجعلها ) الله تعالى ( عشرين ) صلاة ( ثم ) قال موسى ( مثله فجعلها ) الله تعالى ( عشرًا ، فأتيت موسى فقال : مثله فجعلها خمسًا فأتيت موسى فقال : ما صنعت ؟ قلت : جعلها ) سبحانه وتعالى ( خمسًا . فقال : مثله قلت : سلمت ) بتشديد اللام من التسليم أي سلمت فلم يراجعه تعالى لأني استحييت منه جل وعلا . وزاد في غير رواية أبي ذر هنا بخير ( فنودي ) من قبل الله تعالى ( إني ) بكسر الهمزة ( قد أمضيت ) أي أنفذت ( فريضتي ) بخمس صلوات ( وخففت عن عبادي ) من خمسين إلى خمس ( وأجري الحسنة عشرًا ) ثواب كل صلاة عشرًا . وفيه دليل على جواز النسخ قبل الوقوع ، وأنكره أبو جعفر النحاس لأن ذلك من البداء وهو محال على الله تعالى ، ولأن النسخ وإن جاز قبل العمل عند من يراه فلا يجوز قبل وصوله إلى المخاطبين فهو شفاعة شفعها عليه الصلاة والسلام لا نسخ . وأجيب : بأن النسخ إنما وقع فيما وجب على الرسول من التبليغ وبأن الشفاعة لا تنفي النسخ فقد تكون سببًا له أو أن هذا كان خبرًا لا تعبدًا فلا يدخله النسخ ، ومعناه أنه تعالى أخبر رسوله عليه الصلاة والسلام أن على أمته خمسين صلاة في اللوح المحفوظ ، ولذا قال في الحديث في رواية : هي خمس وهي خمسون والحسنة بعشر أمثالها ، فتأوّله عليه السلام على أنها خمسون بالفعل فلم يزل يراجع ربه حتى بيّن له أنها في الثواب لا بالعمل . ( وقال همام ) بالإسناد السابق بتشديد الميم الأولى ابن يحيى العوذي ( عن قتادة ) بن دعامة ( عن الحسن ) البصري ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في البيت المعمور ) يريد أن سعيد بن أبي عروبة وهشامًا الدستوائي أدرجا قصة البيت المعمور في قصة الإسراء ، والصواب رواية همام هذه حيث فصلها من قصة الإسراء لكن قال يحيى بن معين لم يصح للحسن سماع من أبي هريرة . 3208 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ - قَالَ : « إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ : اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ . ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ . وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلاَّ ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ » . [ الحديث 3208 - أطرافه في : 3332 ، 6594 ، 7454 ] . وبه قال : ( حدّثنا الحسن بن الربيع ) بفتح الراء وكسر الموحدة ابن سليمان البوراني بضم الموحدة وسكون الواو وفتح الراء البجلي الكوفي قال : ( حدّثنا أبو الأحوص ) بالحاء المهملة الساكنة وفتح الواو آخره صاد مهملة سلام بتشديد اللام ابن سليم الحنفي مولى بني حنيفة الكوفي ( عن الأعمش ) سليمان بن مهران ( عن زيد بن وهب ) أبي سليمان الهمداني الكوفي أنه قال ، ( قال عبد الله ) يعني ابن مسعود - رضي الله عنه - : ( حدّثنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو الصادق ) في قوله : ( المصدوق ) فيما وعده به ربه تعالى . قال في شرح المشكاة : الأولى أن تجعل الجملة اعتراضية لا حالية لتعم الأحوال كلها وأن يكون من عادته ودأبه ذلك فما أحسن موقعها ( قال ) : ( إن أحدكم يجمع خلقه ) بضم الياء وسكون الميم وفتح الميم مبنيًا للمفعول ( في بطن أمه أربعين يومًا ) ، أي يضم بعضه إلى بعض بعد الانتشار ليخمر فيها حتى يتهيأ للخلق ، وفي قوله خلقه تعبير بالمصدر عن الجثة وحمل على أنه بمعنى المفعول كقولهم : هذا ضرب الأمير أي مضروبه . وقال الخطابي : روي عن ابن مسعود في تفسيره أن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق